أخبار عاجلة
الرئيسية / المزيد / إسلاميات / اللهم انت الصاحب في السفر

اللهم انت الصاحب في السفر

اللهم انت الصاحب في السفر

 

اللهم انت الصاحب في السفر
اللهم انت الصاحب في السفر

 

اللهم انت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل

 

هذا هو تصوُّر المسلم لإحاطة الله التامَّة والشاملة لكلِّ شيء، وفي كلِّ زمان أو مكان، وهذا التصوُّر من شأنه أن يجعل المؤمن أكثرَ توكُّلاً على الله وتفويضًا له.

 

فالسفر – كما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم – قطعةٌ من العذاب (رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة)؛ فلذا يحتاج الإنسان فيه لاستِحضار مَعِيَّة الله – تعالى – له، وحفظه من شرِّه، وتيسيره أموره فيه، كما أنَّ انشِغال بال المسافر بأهله وما يَنتابُهم بعد سفر قيِّمهم حملٌ ثقيل عليه، فناسَب أن يُفَوِّض أمرهم إلى الله – تعالى – الحفيظ.

 

لهذا كله كان من دعائه – صلى الله عليه وسلم – إذا سافر: ((اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل))؛ (رواه مسلم وغيره من حديث ابن عمر).

 

فهو – سبحانه – الصاحب المُعِين المُيَسِّر للمسافر، كما أنَّه الخليفة في أهله والحافظ والحارس لهم، وليس ذلك في مقدور أحدٍ إلا الله – تعالى.

 

قال التوربشتي – رحمه الله -: “المعنى: أنت الذي أرجوه وأعتَمِد عليه في سفري، بأن يكون مُعِيني وحافظي، وفي غيبتي عن أهلي، أن تلمَّ شعثهم،

 

وتُداوِي سقمهم، وتحفظ عليهم دينهم وأمانتهم”؛ (“تحفة الأحوذي”).

 

والتوكُّل على الله – تعالى – وتفويض الأمور إليه، من أعظم ما يجلب للعبد الراحةَ في الدنيا والآخرة؛ بل لا يتحقَّق للإنسان غاية أو هدف بلا حسن توكُّل على الله – عزَّ وجلَّ – وبلا تفويض للأمور له – سبحانه وتعالى.

 

وإنما يتحقق للعبد حسن التوكل عليه، وكمال التفويض له، باستحضار معنيين في قلبه:

 

المعنى الأول: كمال قدرة الله – تعالى – الشاملة والواسعة لكلِّ شيء، وإحاطته التامَّة بهذا الكون وما فيه، كما قال الله – عزَّ وجلَّ – على لسان هود: ﴿ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [هود: 56].

 

فهودٌ – عليه السلام – توكَّل على الله – تعالى – لأنه ما من دابَّة إلا هو آخِذٌ بناصيتها.

 

وقال ابن عباس – رضي الله عنهما -: “ما السموات السبع والأَرَضُون السبع في يد الله إلا كخردلة في يد أحدكم”؛ (“تفسير الطبري”).

 

هذه هي إحاطة الله – تعالى – بهذا الكون ومَن فيه، السموات والأرض في يده – تعالى – كخردلة في يد أحدنا!

 

المعنى الثاني: استِحضار العبد فقرَه وضعفه وحاجته إلى الله – تعالى – وهذا يبعثه على التوكُّل عليه، وتفويضِ أمره إليه؛ قال الله – تعالى -: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾ [فاطر: 15].

 

فُقَراء في كلِّ شيء، مهما أخذوا من أسباب، ومهما وثقوا فيها أو تعلَّقوا بها؛ لذا أمَر ربُّنا – تبارَك تعالى – في كتابه بالتوكُّل عليه في آيات كثيرة؛ كقوله – تعالى -: ﴿ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [آل عمران: 122].

 

وقوله: ﴿ وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [المائدة: 23].

 

وقوله: ﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾ [آل عمران: 159].

 

وغير ذلك من الآيات التي يأمُر ويحثُّ فيها الله – تعالى – على التوكُّل.

 

وقال ابن القيِّم – رحمه الله -:

 

“وأمَّا التوكُّل، فليس المراد منه إلا مجرَّد التفويض، وهو من أخصِّ مَقامات العارفين؛ كما كان النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – يقول: ((اللهمَّ إني أسلمت نفسي إليك، وفوَّضت أمري إليك))؛ (متفق عليه)، وقال – تعالى – عن مؤمن آل فرعون: ﴿ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللهِ إِنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴾ [غافر: 44]، فكان جزاء هذا التفويض قوله: ﴿ فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا ﴾ [غافر: 45]” (“مدارج السالكين”).

 

فكلا المعنيَيْن يُوقِف العبدَ على ضرورة التوكُّل على الله – عزَّ وجلَّ – وتفويض الأمور إليه – سبحانه وتعالى – وحدَه، وكلَّما اشتدَّت على العبد كُرَبُ الدنيا، وأَيِس من الأسباب، قَوِي توكُّلُه على الله، وتفويضُه شؤونَه كلها إليه – تعالى.

 

ولذا كان آخر ما تكلَّم به مؤمن آل فرعون: ﴿ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللهِ إِنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴾ [غافر: 44].

 

قال في “أضواء البيان”: “وقوله – تعالى – في هذه الآية الكريمة: ﴿ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * فَوَقَاهُ اللهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا ﴾ دليل واضح على أن التوكُّل الصادق على الله، وتفويض الأمور إليه، سببٌ للحفظ والوِقاية من كلِّ سوء… وما تضمَّنَتْه هذه الآية الكريمة من كون التوكُّل على الله سببًا للحفظ والوقاية من السوء، جاء مُبيَّنًا في آيات أُخَر؛ كقوله – تعالى -: ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ [الطلاق: 3]، وقوله – تعالى -: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ ﴾ [آل عمران: 173، 174]”، ا. هـ.

 

فالدُّعاة إلى الله – تعالى – هم أحوج الناس إلى التوكُّل على الله – تعالى – وتفويض أمورهم إليه – سبحانه – فهم يُصارِعون الباطل في أنفسهم وفي أهليهم وأُسَرِهم، ثم في الناس ومجتمعاتهم، ثم هم كذلك بَشَرٌ يحتاجون لكلِّ ما يحتاج إليه البشر من مُؤَن الحياة وحصول الأمن.

 

وكلُّ هذا لا يتحقَّق لهم إلا بعد تفويض أمرهم إلى الله – تعالى – وبعد أخْذ ما يستطيعون من أسباب.

 

وعادةً ما تنقَطِع بعض الأسباب عن الدُّعَاة إلى الله في خاصَّتهم أو في دعوتهم، فيلجؤون إلى الله – تعالى – ويُفَوِّضون أمرهم إليه وحدَه، فيَكفِيهم أمرَهم ويقضي حاجتهم، أو يقع ما قدَّر الله عليهم من أذًى أو ألم، فيكون من البلاء المقدَّر على المؤمن ويُؤجَر عليه.

 

ثم إنَّ العبد يجد في تفويض أموره – وإن عَظُمَتْ – إلى الله – تعالى – أُنسًا وراحة في قلبه، فيَستأنِس بذلك عمَّا يخافه أو يكرهه ممَّا يقدِّره الله – تعالى – عليه، فاستِشعار أنَّ الله – عزَّ وجلَّ – بيده مقادير السموات والأرض، وأنَّه لا غالب لأمره، وأنَّه مأوى المؤمن وركنه؛ استشعار كلِّ هذا يجعله أكثر طمأنينة، ويُكسِبه معانيَ إيمانيةً عظيمة، منها:

 

• العزَّة بالله؛ لأنه – تعالى – قادِرٌ على نصْر عبده، وإن عدم الأسباب أو ضعفت، ويقول – صلى الله عليه وسلم -: ((ويرحم الله لوطًا؛ لقد كان يأوي إلى ركن شديد))؛ (رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة).

 

أي: كان للوطٍ – عليه السلام – أنْ يأوي إلى ركن شديد، وهو الله، وذلك أن لوطًا – عليه السلام – قال: ﴿ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾ [هود: 80].

 

فهو – سبحانه وتعالى – عزيز يُعِزُّ عباده وينصر جنده؛ ﴿ وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ [المنافقون: 8].

 

• تعلُّق القلب بالله – عزَّ وجلَّ – وحده؛ لأنه – تعالى – مَن بيده مقاليد الأمور، يرفع ويخفض، ويعزُّ ويذلُّ؛ ﴿ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [البقرة: 117].

 

فلا ينجرُّ المؤمن وراء أسباب واهِيَة وهميَّة لا تُغنِي عنه من قَدَر الله شيئًا؛ بل ولا يُساوِم على دينه ظنًّا منه أنَّه يدفع ضرًّا أو يجلب نفعًا.

 

وفي وصيَّة النبي – صلى الله عليه وسلم – لابن عباس: ((يا غلام، إني معلِّمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تُجاهك، وإذا سألتَ فلتسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمَّة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتَبَه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضرُّوك لم يضرُّوك إلا بشيء قد كتَبَه الله عليك، رُفِعت الأقلام وجفَّت الصحف))؛ (رواه أحمد والترمذي وصحَّحه الألباني في “المشكاة”).

 

• إحسان الظنِّ بالله – تعالى – فيما قدَّره وقضاه؛ فالله يعلم ما لا نعلم، ويقدر علينا ما هو خيرٌ لنا؛ وإنما يقع ذلك كلُّه لحِكَم قد نعلمها أو لا نعلمها، والسعيد مَن رضِي بأقدار الله – تعالى – وعلم أنها إنما وقعتْ لحكمة.

 

قال الله – عزَّ وجلَّ -: ﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ﴾ [الحديد: 22، 23].

 

وقال – سبحانه وتعالى -: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ ﴾ [آل عمران: 166، 167].

 

وتفويض الأمور إلى الله يشمل كلَّ شيء في حياة العبد، ولا يختصُّ بحالٍ دون آخر، فالعبد يُفَوِّض أمر نفسه وصلاحها إلى الله، كما يُفَوِّض أمر أهله وأولاده إليه، وأمر دعوته وما يَعُوقُها كذلك.

 

اللهمَّ صلِّ وسلِّم على نبيِّنا محمد، وعلى آله وصحبه، ومَن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.  اللهم انت الصاحب في السفر

 

اللهم انت الصاحب في السفر

عن admin

شاهد أيضاً

هل دم الحيض يسحر

هل دم الحيض يسحر

هل دم الحيض يسحر     اهلا بكم مرة اخرى لى السؤال عليك ان تعلم …